أنت، منذ الآن، غيرك! — بتصرف

صلاة الجنازة لضحايا أحداث غرغور – طرابلس

هل كان علينا أن نسقط من عُلُوّ شاهق، ونرى ‏دمنا على أيدينا… لنُدْرك أننا لسنا ملائكة.. كما كنا نظن؟

‏وهل كان ‏علينا أيضاً أن نكشف عن عوراتنا أمام الملأ، كي لا تبقى حقيقتنا عذراء؟

‏كم ‏كَذَبنا حين قلنا: نحن استثناء!

‏أن تصدِّق نفسك أسوأُ من أن تكذب على ‏غيرك!

‏أن نكون ودودين مع مَنْ يكرهوننا، وقساةً مع مَنْ يحبّونَنا – تلك ‏هي دُونيّة المُتعالي، وغطرسة الوضيع!

‏أيها الماضي! لا تغيِّرنا… كلما ‏ابتعدنا عنك!

أيها المستقبل: لا تسألنا: مَنْ أنتم؟
وماذا تريدون مني؟ ‏فنحن أيضاً لا نعرف.

‏أَيها الحاضر! تحمَّلنا قليلاً، فلسنا سوى عابري ‏سبيلٍ  ثقلاءِ الظل!

‏الهوية هي: ما نُورث لا ما نَرِث. ما نخترع لا ما ‏نتذكر. الهوية هي فَسادُ المرآة التي يجب أن نكسرها كُلَّما أعجبتنا الصورة!

‏تَقَنَّع وتَشَجَّع، وقتل أمَّه.. لأنها هي ما تيسَّر له من الطرائد.. ولأنَّ ‏جنديَّةً أوقفته وكشفتْ له عن نهديها قائلة: هل لأمِّك، مثلهما؟

‏لولا ‏الحياء والظلام، لزرتُ  طرابلس، دون أن أعرف الطريق إلى بيت أبي سفيان الجديد، ولا اسم ‏النبي الجديد!

‏ولولا أن محمداً هو خاتم الأنبياء، لصار لكل عصابةٍ نبيّ، ‏ولكل صحابيّ ميليشيا!

‏أعجبنا فبراير في ذكراه : إن لم نجد مَنْ ‏يهزمنا ثانيةً هزمنا أنفسنا بأيدينا لئلا ننسى!

‏مهما نظرتَ  في عينيّ.. فلن ‏تجد نظرتي هناك. خَطَفَتْها فضيحة!

‏قلبي ليس لي… ولا لأحد. لقد استقلَّ ‏عني، دون أن يصبح حجراً.

‏هل يعرفُ مَنْ يهتفُ على جثة ضحيّته – أخيه: >‏الله أكبر< ‏أنه كافر إذ يرى الله على صورته هو: أصغرَ من كائنٍ بشريٍّ سويِّ ‏التكوين؟

‏أخفى السجينُ، الطامحُ إلى وراثة السجن، ابتسامةَ النصر عن ‏الكاميرا. لكنه لم يفلح في كبح السعادة السائلة من عينيه.
‏رُبَّما لأن النصّ ‏   المتعجِّل كان أَقوى من المُمثِّل.

‏ما حاجتنا للنرجس، ما دمنا ‏ليبيين.

‏وما دمنا لا نعرف الفرق بين الجامع والجامعة، لأنهما من جذر ‏لغوي واحد، فما حاجتنا للدولة… ما دامت هي والأيام إلى مصير واحد؟.

‏لافتة كبيرة على باب نادٍ ليليٍّ: نرحب بالثوار العائدين من الجبهة. ‏الدخول مجاناً! وخمرتنا… لا تُسْكِر!.

‏لا أستطيع الدفاع عن حقي في ‏العمل، ماسحَ أحذيةٍ على الأرصفة.
‏لأن من حقّ زبائني أن يعتبروني لصَّ أحذية ـ ‏هكذا قال لي أستاذ جامعة!.

‏أنا والغريب على ابن عمِّي. وأنا وابن ‏عمِّي على أَخي. وأَنا وشيخي عليَّ<. ‏ هذا هو الدرس الأول في التربية الوطنية ‏الجديدة، في أقبية الظلام.

‏من يدخل الجنة أولاً؟ مَنْ مات برصاص العدو، أم ‏مَنْ مات برصاص الأخ؟
‏بعض الفقهاء يقول: رُبَّ عَدُوٍّ لك ولدته أمّك!.

‏لا يغيظني الأصوليون، فهم مؤمنون على طريقتهم الخاصة. ولكن، يغيظني أنصارهم ‏العلمانيون، وأَنصارهم الملحدون الذين لا يؤمنون إلاّ بدين وحيد: صورهم في ‏التلفزيون!.

‏سألني: هل يدافع حارس جائع عن دارٍ سافر صاحبها، لقضاء إجازته ‏الصيفية في الريفيرا الفرنسية أو الايطالية.. لا فرق؟
‏قُلْتُ: لا يدافع!.

‏وسألني: هل أنا + أنا = اثنين؟
‏قلت: أنت وأنت أقلُّ من واحد!.

‏لا ‏أَخجل من هويتي، فهي ما زالت قيد التأليف. ولكني أخجل من بعض ما جاء في مقدمة ابن ‏خلدون.

‏أنت، منذ الآن، غيرك!

النص الأصلي لمحمود درويش،غيرت كلمات قليلة. منذ أن سمعت عن أحداث طرابلس و أنا أكاد ألا أصدق كم كان دقيقا في وصف حالتنا. يبدو بأن خيباتنا جميعا توائم

وصلة للقصيدة الأصلية

بالك!

و أنا حاصل في فندق ما في ميلتون كينز تفرجت على التلفزيون و شفت إعلان ليوروستار، القطار السريع ما بين لندن و باريس، و لسبب ما عجبني جدا  فترجمته هنا. الإعلان له نسختين وحدة إنجليزية و أخرى فرنسية، النسخة الفرنسية ما عجبتنيش واجد.

النسخة الإنجليزية:

النسخة الفرنسية:

 بالك!

بالك تخش يمين

بالك تخش يسار

بالك تطلع فوق

و بالك تنزل لوطى

أو تلف على روحك

بالك تمشي هنا

أو تعدي غادي

لهالمكان

أو هادكي المكان

بالك تقابل هاذا

أو هاذي

أو بالك هاذوما

أو هاذوما

بس المهم ما تقابلش هاذا

بالك تشوف هالمنظر

أو تسمع هالصوت

أو تاكل هالشئ

بالك تضيع

بالك تمطر

و تكرس هنا

وتقابل هذي

و هذا يصير

لكن بالك ما تمطرش

و بدال ما تكرس هنا

تعدي غادي

و تحب هذا

……

في قصص تراجي فيك

فقاعة صابون

Arrest of a Propagandist by Ilya Yefimovich Repin

 في عصرنا الحالي لا تستطيع التوقف على الإطلاق للتأكد بأنك لازلت موجدا، كل شئ يبدو و كأن أحدهم أطلق صفارة الإنذار من خطر ما و الكل يركض عبثا و من الحماقة التوقف لسؤال أحدهم “لماذا؟”

كل شئ يسير بالقصور الذاتي و كل من حولك لديهم ما يجب عليهم القيام به و أنت أيضا عليك أن تقوم بشئ ما و كل شئ سيكون على ما يرام  و غدا يوما جديد و السعادة، قريبا، ستتوفر معلبة من مطعم وجبات سريعة بالقرب منك.

يقولون كن واقعيا، كن منطقيا، تأقلم مع حاضرك لكن أنا متأكد لو طرحت عليك القليل من الأسئلة ستجد أن هذا الواقع الذي تتحدث عنه ليس بالأليف أو المتفهم، ليس بالشئ العقلاني الذي تستطيع التفاوض معه. كل شئ عبارة عن أسطورة إتفقنا معا أن نبتلعها سويا و  أن نطلب المزيد و هذا ليس بإكتشاف الجديد.

لا تستطيع أن تقف لتسأل أحدهم “لماذا؟” أو أن توقف كوناً يتحرك بالقصور الذاتي أو أن تتوقف عن تناول حصتك من الأساطير اليومية لكن أحينا تستطيع أن تبني قوقعة صغيرة أو فقاعة صابون و لوهلة تنفصل عن كل شئ و تخلق عالما جديدا من هوسك بشئ عبثي كتجميع جمل عشوائية تصلح كبداية لرواية ما، مش مهم الرواية و من أبطالها و كيف حتنتهي.  أو تجميع تنوعات مختلفة من لحن قديم و كيف تغير عبر العصور.

في هالأيام أنا مهتم برواية ليو تولستوي “أنا كارينينا”، مش بالرواية في حد ذاتها لكن بالنسخ السينمائية من الرواية، من المذهل بالنسبة لي أن كل عشر سنوات تقريبا أنتج فيلم من الرواية و كل فيلم مختلف عن الأخر و لسبب ما هذا الإختلاف يعطيني الكثير من البهجة.

اللوحة بالأعلى ليس لها علاقة بالموضوع لكن بالنقر عليها ستتعرف على ريبن 🙂

ْمُزَة

ملاحظة: مُسيريلو تعني “مصرية” هو تحريف يوناني لكلمة مسيرلي التركية و تعني مصري، في سياق الأغنية بتصور بأن الترجمة للعربية مفروض تكون “مزة”

شاهدت فيلم “بلب فيكشن” في صيف ٢٠٠٣ بعد أسبوع من عيد ميلادي الحادي و العشرين، في ذاك العمر من السهل إبهارك خصوصا لو كان هناك ما يبهر فعلا، أحببت الفيلم جدا بكل تفاصيله بما فيها الموسيقى لكن وقتها كنت أعيش في بيئة معقمة في الإسكندرية و لم أكن على إتصال بمن يشاركني هوسي بالأشياء الصغيرة مثل موسيقى فيلم كفيلم “بلب فيكشن” فنسيت الموضوع.

 

و في صيف ٢٠٠٦ كنت قد إنتقلت إلى نوتجهام لأتمام دراسة الماجستير و عدت في زيارة سريعة للإسكندرية و سمعت أغنية “Pump It” في إحدى المقاهي، تذكرت اللحن من الفيلم القديم و أحببت لو أعرف من أين أتى اللحن، أزعجني كيف أستغلت الفرقة اللحن و خلقت مسخا منه لكن على الأقل الأن لدي أسم أستطيع منه البحث عن أصل اللحن.

في تلك الفترة ويكبيديا لم تكن بعد الأم الحنون للباحثين عن الأشياء الصغيرة و الغريبة و لكن جوجل لم يكن بالبخيل و أعطاني مؤشرات مفيدة و منه أكتشفت العظيم ديك دايل و أدائه العبقري لمُسيريلو و منه تعرفت على العديد من العباقرة كجيمي هندركس و غيره، أداء ديك هو الذي إستخدمه تورنتينو في فيلمه بلب فيكشن و كان ذلك أمرا حسنا 🙂 لكن و على الرغم من معرفتي لأسم اللحن و قصة الأغنية إلا إننا لم أصل بعد للنسخة الأصلية.

 

و مع تطور اليوتيوب و ويكيبديا أصبح من الممكن لشخص يعيش في بريطانيا أن يسمع لحن كتبه فنان يوناني أغرم بفتاة مصرية قبل ٨٦ عام، بحسب الويكيبيديا أقدم تسجيل لها كان عام ١٩٢٧  و لمزيد عن تاريخ الأغنية و اللحن هنا صفحة الويكبيديا الخاصة بالأغنية. و هنا أضيف تسجيل قديم للأغنية قامت به شركة كولومبيا للصوتيات عام ١٩٤٠ أداء نيكوس روبانيس.

 الكلمات الأصلية بسيطة و خفيفة أو على الأقل الترجمة الإنجليزية توحي بذلك لكن المثير للإهتمام هو أن اللحن ركب عليه كلمات جديدة  مع كل لغة غنت به الأغنية فمثلا النسخة العربية الوحيدة على حد علمي بعيدة جدا عن الكلمات الأصلية. النسخة العربية سميت “أمال” أداء كلوڤيس الحاج من لبنان.

 

و بس يا سيدي لو اللحن عجبك دور على تنويعاته المختلفة أنا متأكد بأنك ستجد ما يدهشك 🙂

في حافة العالم

2007051900_blog_uncovering_org_tecnologia_hitchhikers_galaxy_marvin21

هنا في قريتي الصغيرة

 من نافذتي الصغيرة

حافة العالم

أتابع كل يوم نهاية العالم

و قبل أن ينتهي كل شئ

أجهز بعض الموسيقى

أحضر كوبا من القهوة

و أعد سجائري

كما يعد الجندي الأخير

في الخندق الأخير

ما تبقى من أصابعه

و عندما أتاكد بأن كل شئ على مايرام

أنتظر و أتساءل … ترى؟

عندما ينتهى العالم

كيف سيبرر الله خلقه للبطاريق؟

الصورة من هنا و هي لمارفن الألي المضطرب من فيلم “دليل الهيتشهايكر للمجرة”، لا أعرف إن كان هناك بديل عربي لكلمة هيتشهايكر 🙂

la Vida

أسكن في شقة صغيرة في عمارة صغيرة في قرية صغيرة على حدود مدينة كامبردج الشمالية. هذا المكان، كما يسميه بعض الأصدقاء بقلعة الوحدة، هو أنسب مكان لمشاهدة نهاية العالم.

هنا في قلعة الوحدة يشاركني بعض الناس العمارة لفترات قصيرة ثم يرحلون و أبقى أنا هنا لأكون شاهدا على أشياء غير مهمة و إن كانت مثيرة للإهتمام.

في الشهر الماضي سكنت الشقة المجاورة أسرة من أسبانيا أو البرتغال، الأب يعمل صباحا و الأطفال في المدرسة و الأم سيدة بيت خجولة و قليلة الكلام. تعرفت على الأسرة عندما ترك ساعي البرد طردا لي عندهم خلال غيابي في المكتب، إلتقيت بالأب أكثر من مرة في المتجر المحلي للقرية و بدا لي بأنه مرتحا في جلده أكثر مما ينبغي، أنا لا أثق أبدا بهؤلاء الذين لا يشكون في أنفسهم مطلقا.

في الصباح عندما يغادر الأب للعمل و الأولاد للمدرسة أسمع الأم تغني و كل ما أفهمه هو La Vida. صوتها ليس خارقا للعادة و لكنه ليس سيئا أيضا. كل صباح يدهشني صوتها و الحزن الكامن فيه، ذاك الكائن الخجول الذي لا يستطيع أن ينطق في حضرة الغريب يغني بهذه القوة عندما يظن بأن لا أحد يسمعه.

أنا لا أعرف الكثير لكن أعرف بأنها غير سعيدة و أعرف بأن خلال عام أو إثنين ستهرب من كل هذا، ستترك أطفالها و زوجها المرتاح داخل جلده و تهرب للمجهول أو ستنسى كيف تغنى و تتحول إلى مسخ أخر.

عندما أحلم بظلي

عندما احلم بظلي

يخال لي بأنه يتحرر مني

ينطلق ليرقص تحت القمر

و يتسلق أعلى جبل

أو يمتطي جواد بأجنحة

و أجلس أنا أتفرج عليه و أبتسم

عندما أحلم بظلي

يتحرر مني

من قلقه المستمد مني

من شكي و من توتري و حيرتي

من حقائب الوهم الثقيلة

يقهقه عاليا و ينطلق

و في الصباح

تحت نور نيون البارد

أراه ممددا عند قدماي

هزيلا، أسيرا

أعتذر له و أقول مشجعا

الليلة قد تكون ليلتك

إنطلق و لا تعود

 

التفاوض مع الأحلام

bookthief

 

لكل منا سلامه الخاص و لكل منا حربه الخاصة و لكل منا ملائكته و لكل منا شياطينه، عليك فقط أن تتذكر بأن لا شئ حقيقي إلا ما تفرضه على نفسك وحتى ذلك يمكن التفاوض معه. قد لا يكون لديك الخيار ولكن أنت و أنت فقط من يفرض عليك ما هو حقيقي ولعلك لو أدركت هذا يمكنك بشكل التعايش مع هذا الفخ.

لنرجع إلى العام ٢٠١١ عندما كان الواقع جزاء من الخيال، الكثير منا ،نحن الليبيون، ركب سفن الحلم و بات الكابوس مجرد تفاصيل زائدة لكن القليل منا لم يسطيع اللحاق بركب الحلم و بقي ليعد القتلى، لازلت أتذكر ذلك اليوم في لندن مع مجموعة من الأصدقاء نقيس مرور الوقت بعدد من سقط من شهداء في تلك المدينة. كنا على الهاتف مع إحدى الوحدات الصحية هناك فسأل أحدهم عن الوقت فأجابه أخر لا أعرف لكن هناك ١٨ شهيدا إلى الأن على الأرجح إنها الساعة الثانية ظهرا. في تلك الأيام كنا نعطي القتيل رتبة شهيد و نطالب أمه بالزغاريد، “مبروك يا حاجة، إبنك مات”.

في تلك الأيام كان من غير الإنساني أن تطلب من شخص الحفاظ على إنسانيته. الدم يا عزيزي عندما يخلط بالأمل يجعل منك ملاك أو وحشا لكنك في كلا الحالتين لم تكن لتعلم أيهم أنت و في كلى الحالتين ستكون على حق. في تلك الأيام كان هناك الباطل و جنده في خندق و كان هناك شئ أخر لا أستيطع إلى اليوم فهمه في الخندق المقابل، الأختيار كان محسوما و لكن لم نسأل بما يكفي يومها ما الذي سنفعل في هذا البحر من الدم بين الخندقين و لازلنا إلى الأن نحاول الهرب من السؤال.

لنرجع إلى إحدى كوابيسي، خلال الحرب الأهلية كنت أعمل مع مجموعة من الأصدقاء على جمع ما يمكن جمعه و إرساله كمساعدات دوائية و غذائية إلى عدة مدن، كان يومي ينقسم إلى يومين. أعمل صباحا كمهندس و مساءا في توصيل الإغاثة. المعادلة كانت بسيطة، لكي تعمل بكفاءة لابد لك أن تتجرد بالكامل من إنسانيتك و تحول كل شئ إلى أرقام. كان لابد لنا أن نختار من نساعد بالقليل الذي نملكه و عندما نختار من نساعد نعلم يقينا بأننا تركنا أخرين ليواجهوا مصيرهم وحدهم. كنت أحاول دوما عندما أتصل بأحدى المجموعات العاملة على الأرض أن أتخيل نفسي كعامل في مطعم وجبات سريعة فأقول بكل حزم بأننا لا نستطيع أن نساعد مرضى الكلى الذين لم يستطيعوا مغادرة جبل نفوسة إلى تونس و في خيالي كل ما كنت أقوله بأن البيتزا قد نفذت اليوم حاول الإتصال غدا و سنحاول تلبية طلبك إن كنت لازلت حيا. لكي لا أفقد عقلي كان لابد لي أتجرع القليل من الجنون.

في إحدى الأيام إستقبلت إتصالا من شخص يحاول جاهدا رغم زخات الرصاص من حوله أن يكون إنسانا، كنت أحدثه و أنا أضيف ما يكفي من الحليب إلى فنجان القهوة لتأخذ لونها المثالي. كنت أعرف تماما ردي عليه ولكن كان من حقه أن يتكلم فإستمعت أنا لكل ما كان يود قوله. كل الشتائم كل الوعيد كل الغضب. و بعد أن قلبت السكر  قلت له  “أسف لا أستطيع مساعدتك” فسألني من يستطيع؟ نظرت من النافذة للسحاب و قلت “الله أعلم!”. المسرحية معروفة  و متفق عليها، هو هناك على الأرض يرى الدم و الموت بعينيه و يحاول أن يقنع نفسه بأنه هو “فلان الفلاني” بأمكانه إيقاف ذلك أو على الأقل التوقف عن التفكير بذلك لو أستطاع أن يكون مفيدا.

تفكير غير منطقي في منطقة نزاع مسلح يتكلم فيها الرصاص ولا يسمع غيره لكنه تفكير إنساني، هو يحاول أن يُبقي شيئا حيا بداخله فيصب غضبه على أنا و أنا من الناحية الأخرى أعرف دوري جيدا، ليس الغرض مني أن أوضح له كيف تسير الأمور هو يعلم جيدا كيف تسير الأمور  الغرض مني في هذه المسرحية هو أن أكون كيس ملاكمة أليفة. أعتذر بحزم تارة و أعترض بأدب تارة أخرى و هكذا حتى تنتهي المكالمة. و لكن هذه المرة تجاوز هو الحدود المسموح و خرج عن النص و قال “دماء هؤلاء الأطفال في رقبتك!”.

لأول وهلة لم أعر الجملة الكثير من الإهتمام و هو إعتذر عليها لاحقا، كما أن الأطفال الذين كان يتحدث عنهم كانوا من نسج خياله، لم يمت أحد بسبب عجزي ذلك اليوم لكني أعلم يقينا بأن هناك من ماتوا في أيام أخرى بسبب عجزي و عجز غيري. كما قلت لم أعر الجملة الكثير من الإهتمام، تذكرت في عجالة قصة أطفال الحضانات الذين قضوا بسبب قصف قوات النظام لمولدات المستشفى في إحدى المدن ثم ذهبت إلى النوم ليبدأ كابوس لازال يلاحقني إلى اليوم.

تفاصيل الكابوس غير واضحة تماما و لكنه دوما ينتهي بي الأمر في ساحة مدرسة أو مدرج، يجتمع مجموعة من الأطفال لكن ليس لأي منهم وجه. يعلو النحيب عندما أحاول الإقتراب منهم. لا أشعر بالشفقة نحوهم و لكن فقط بثقل ما يجب أن أقوم به. أحاول أن أجمعهم في صفوف و كلما نجحت في تجميع صف منهم يتم إطلاق الرصاص عليهم من مكان ما و يعلو نحيب من تبقى منهم و يزداد سعاري في محاولة تجميع صف ثاني و ثالث حتى يصل العويل حدا لا أطيقه و أستيقظ!

مخطئ من يظن بأنه خرج من ٢٠١١ سالما حتى و إن كان يقطن كامبردج و يشرب القهوة بالحليب.

كابوس المدرسة يزورني مرة كل عدة أسابيع و هنا يا عزيزي يأتي ما أسميه التفاوض مع الأحلام، أنا أعلم بأن هذا الكابوس، و غيره، سيبقى معي لفترة قد تطول، ها نحن في ٢٠١٣ و مازال يجثم على كل حين و أخر ولكن أحيانا أنتصر على الكابوس. لا أعني بذلك بأنني أمنح الأطفال وجوها أو أوقف القتل، لا يا عزيزي، إنتصاري هو أن يتوقف النحيب و العويل. منذ فترة أستطعت أن أقنعهم بأنهم إن ماتوا بأدب سأشتري لهم الحلوى، أحيانا تنجح هذه الحيلة و يمر الكابوس بوطأة أخف وأحيانا يزداد النحيب و العويل.

أعلم بأن كابوس المدرسة لن يتركني قريبا لكن النجاج المحدود لحيلة الحلوى تعطيني الأمل بأنني قد أستطيع تغيره و تحويره لشئ كهذا**

a_Old_School_Photo__Year_unknown_-_1930_s_maybe_

*مصدر الصورة ١: غلاف رواية سارقة الكتب 
**مصدر الصورة ٢