التفاوض مع الأحلام

bookthief

 

لكل منا سلامه الخاص و لكل منا حربه الخاصة و لكل منا ملائكته و لكل منا شياطينه، عليك فقط أن تتذكر بأن لا شئ حقيقي إلا ما تفرضه على نفسك وحتى ذلك يمكن التفاوض معه. قد لا يكون لديك الخيار ولكن أنت و أنت فقط من يفرض عليك ما هو حقيقي ولعلك لو أدركت هذا يمكنك بشكل التعايش مع هذا الفخ.

لنرجع إلى العام ٢٠١١ عندما كان الواقع جزاء من الخيال، الكثير منا ،نحن الليبيون، ركب سفن الحلم و بات الكابوس مجرد تفاصيل زائدة لكن القليل منا لم يسطيع اللحاق بركب الحلم و بقي ليعد القتلى، لازلت أتذكر ذلك اليوم في لندن مع مجموعة من الأصدقاء نقيس مرور الوقت بعدد من سقط من شهداء في تلك المدينة. كنا على الهاتف مع إحدى الوحدات الصحية هناك فسأل أحدهم عن الوقت فأجابه أخر لا أعرف لكن هناك ١٨ شهيدا إلى الأن على الأرجح إنها الساعة الثانية ظهرا. في تلك الأيام كنا نعطي القتيل رتبة شهيد و نطالب أمه بالزغاريد، “مبروك يا حاجة، إبنك مات”.

في تلك الأيام كان من غير الإنساني أن تطلب من شخص الحفاظ على إنسانيته. الدم يا عزيزي عندما يخلط بالأمل يجعل منك ملاك أو وحشا لكنك في كلا الحالتين لم تكن لتعلم أيهم أنت و في كلى الحالتين ستكون على حق. في تلك الأيام كان هناك الباطل و جنده في خندق و كان هناك شئ أخر لا أستيطع إلى اليوم فهمه في الخندق المقابل، الأختيار كان محسوما و لكن لم نسأل بما يكفي يومها ما الذي سنفعل في هذا البحر من الدم بين الخندقين و لازلنا إلى الأن نحاول الهرب من السؤال.

لنرجع إلى إحدى كوابيسي، خلال الحرب الأهلية كنت أعمل مع مجموعة من الأصدقاء على جمع ما يمكن جمعه و إرساله كمساعدات دوائية و غذائية إلى عدة مدن، كان يومي ينقسم إلى يومين. أعمل صباحا كمهندس و مساءا في توصيل الإغاثة. المعادلة كانت بسيطة، لكي تعمل بكفاءة لابد لك أن تتجرد بالكامل من إنسانيتك و تحول كل شئ إلى أرقام. كان لابد لنا أن نختار من نساعد بالقليل الذي نملكه و عندما نختار من نساعد نعلم يقينا بأننا تركنا أخرين ليواجهوا مصيرهم وحدهم. كنت أحاول دوما عندما أتصل بأحدى المجموعات العاملة على الأرض أن أتخيل نفسي كعامل في مطعم وجبات سريعة فأقول بكل حزم بأننا لا نستطيع أن نساعد مرضى الكلى الذين لم يستطيعوا مغادرة جبل نفوسة إلى تونس و في خيالي كل ما كنت أقوله بأن البيتزا قد نفذت اليوم حاول الإتصال غدا و سنحاول تلبية طلبك إن كنت لازلت حيا. لكي لا أفقد عقلي كان لابد لي أتجرع القليل من الجنون.

في إحدى الأيام إستقبلت إتصالا من شخص يحاول جاهدا رغم زخات الرصاص من حوله أن يكون إنسانا، كنت أحدثه و أنا أضيف ما يكفي من الحليب إلى فنجان القهوة لتأخذ لونها المثالي. كنت أعرف تماما ردي عليه ولكن كان من حقه أن يتكلم فإستمعت أنا لكل ما كان يود قوله. كل الشتائم كل الوعيد كل الغضب. و بعد أن قلبت السكر  قلت له  “أسف لا أستطيع مساعدتك” فسألني من يستطيع؟ نظرت من النافذة للسحاب و قلت “الله أعلم!”. المسرحية معروفة  و متفق عليها، هو هناك على الأرض يرى الدم و الموت بعينيه و يحاول أن يقنع نفسه بأنه هو “فلان الفلاني” بأمكانه إيقاف ذلك أو على الأقل التوقف عن التفكير بذلك لو أستطاع أن يكون مفيدا.

تفكير غير منطقي في منطقة نزاع مسلح يتكلم فيها الرصاص ولا يسمع غيره لكنه تفكير إنساني، هو يحاول أن يُبقي شيئا حيا بداخله فيصب غضبه على أنا و أنا من الناحية الأخرى أعرف دوري جيدا، ليس الغرض مني أن أوضح له كيف تسير الأمور هو يعلم جيدا كيف تسير الأمور  الغرض مني في هذه المسرحية هو أن أكون كيس ملاكمة أليفة. أعتذر بحزم تارة و أعترض بأدب تارة أخرى و هكذا حتى تنتهي المكالمة. و لكن هذه المرة تجاوز هو الحدود المسموح و خرج عن النص و قال “دماء هؤلاء الأطفال في رقبتك!”.

لأول وهلة لم أعر الجملة الكثير من الإهتمام و هو إعتذر عليها لاحقا، كما أن الأطفال الذين كان يتحدث عنهم كانوا من نسج خياله، لم يمت أحد بسبب عجزي ذلك اليوم لكني أعلم يقينا بأن هناك من ماتوا في أيام أخرى بسبب عجزي و عجز غيري. كما قلت لم أعر الجملة الكثير من الإهتمام، تذكرت في عجالة قصة أطفال الحضانات الذين قضوا بسبب قصف قوات النظام لمولدات المستشفى في إحدى المدن ثم ذهبت إلى النوم ليبدأ كابوس لازال يلاحقني إلى اليوم.

تفاصيل الكابوس غير واضحة تماما و لكنه دوما ينتهي بي الأمر في ساحة مدرسة أو مدرج، يجتمع مجموعة من الأطفال لكن ليس لأي منهم وجه. يعلو النحيب عندما أحاول الإقتراب منهم. لا أشعر بالشفقة نحوهم و لكن فقط بثقل ما يجب أن أقوم به. أحاول أن أجمعهم في صفوف و كلما نجحت في تجميع صف منهم يتم إطلاق الرصاص عليهم من مكان ما و يعلو نحيب من تبقى منهم و يزداد سعاري في محاولة تجميع صف ثاني و ثالث حتى يصل العويل حدا لا أطيقه و أستيقظ!

مخطئ من يظن بأنه خرج من ٢٠١١ سالما حتى و إن كان يقطن كامبردج و يشرب القهوة بالحليب.

كابوس المدرسة يزورني مرة كل عدة أسابيع و هنا يا عزيزي يأتي ما أسميه التفاوض مع الأحلام، أنا أعلم بأن هذا الكابوس، و غيره، سيبقى معي لفترة قد تطول، ها نحن في ٢٠١٣ و مازال يجثم على كل حين و أخر ولكن أحيانا أنتصر على الكابوس. لا أعني بذلك بأنني أمنح الأطفال وجوها أو أوقف القتل، لا يا عزيزي، إنتصاري هو أن يتوقف النحيب و العويل. منذ فترة أستطعت أن أقنعهم بأنهم إن ماتوا بأدب سأشتري لهم الحلوى، أحيانا تنجح هذه الحيلة و يمر الكابوس بوطأة أخف وأحيانا يزداد النحيب و العويل.

أعلم بأن كابوس المدرسة لن يتركني قريبا لكن النجاج المحدود لحيلة الحلوى تعطيني الأمل بأنني قد أستطيع تغيره و تحويره لشئ كهذا**

a_Old_School_Photo__Year_unknown_-_1930_s_maybe_

*مصدر الصورة ١: غلاف رواية سارقة الكتب 
**مصدر الصورة ٢