… ثم تحدث هشام فقال
by سراج|Mafkoud
الزنزانة ب 3-131 جناح ب
سجن جلالة الملكة بكانتربري
2009-3-30
إلي السراج الحبيب
لا تغضب يا صاحبي و لا تيأس ….. فهذه الدنيا ،علي نتانتها ، قدرها أن تعطينا المزيد من البهلونيات و الرقصات التمرجحية
أخط لك هذه الحروف و أنا جالس في ركن الزنزانتي اللذي هو أيضا ،ما أمتع الصدف، وسطها
رسالتك اللطيفة أمامي ،رداء بلسمي .. أقرأها ثم أعيد القراءة … أتأمل تقوسات الحروف و أرتشف موسقي العبارات .. فتجدني مبتسما إبتسامة القط الذي نال القشطة كلها (علي قول “مواطنيك”)
لا تغضب يا صاحبي و لا تيأس … فوجودي هنا ، علي سخافته، علي فحشه، دليل علي أن أمامنا المزيد و المزيد من التشمير و التعمير .. و أن الذي إستلكناه لا يزال طويلا متشعبا، غادرا ، مقتنصا … و أن دربنا لازال سلسلة عجيبة من القفزات: القفزات الإنتحارية من لأخر …
أمامي أيضا كتاب تمثيلات المفكر للمرحوم إدوارد، إقرأه متي حانت لك الفرصة و إستمتع بعذوبة الفكر المنطقي الذي حدثتك عنه أمس … الفكر المنطقي الذي سخرت منه سلطات هذه الجزيزة .. و الذي دفعني .. عن سذاجة أو ثقة فائضة .. إلي أن ألتمس باب بيت القضاء و أنا كلي تفائل و أمان .. فوجدت البيت مسرحا و وجدت القاضي قردا سخيفا متنكرا تحت رطل من الغبار ..
غبار ” التاريخ العتيق” …. “ المؤسسات” و “التقاليد و عفوا ، أسترق لحظة لأضحك … “مبادئ” … رموز صارخة وهاجة وجدتها بعد إمعان النظر .. صورا باهتة .. و نسخا من أساطير الأوليين
يا عزيزي…
الحياة هنا، لو تصدق ، فيها ما فيها من خير و راحة و سكون .. رفاقي هنا أغلبهم ناس إتخذوا الصبر القاسي دينا و “الأمر الواقع” دستورا
و هل لي أن ألومهم عبي ذلك ؟
إعلم بأنني علي خير … و ان مكتبتي ، علي بعدها ، راسخة بصميم ذاتي، رفا رفا و صفحة صفحة !
و إعلم بأن أيامي هنا ، رغم كل شئ، أيام أقضيها في طمأنينة و سلام و راحة بال …
فحريتي تنتظرني هناك … علي حافة البحيرة ذاتها .. و أنا مستعد ، بصدر منتعش .. لأعود أليها ..
شكرا علي التحية و السلام و علي القهوة .. و عذرا ، ألف عذر عن عدم قدرتي مشاركتك يومها .. لكن فراقنا ، يا عزيزي ليس إلا وقفة إيقاعية … قبل أن تستأنف السنفونية السريالة الثائرة عنفوانها …
أخبرني عنك و عن هواجسك ، عن أخر مطالعاتك و عن سخافات الزمن و المصير في ركنك … فستجدني منتظرا و ستجدني مبتسما ….
بكل حب و إعتزاز
هشام
الطيب صالح … وداعا