إختفاء المدعو سرجي

ولدت في السادس من أغسطس عام 1982 وكان ذلك في الساعة الثامنة و نصف مساءا في إحدي مستشفيات ليفربول و علي حسب أرشيف البي بي سي كان يوم جمعة و كان صحوا يتخلله مطر خفيف …  و كان أيضا الذكري السابعة و الثلاثين لأنفجار هيوريشيما النووي. علمت بهيروشيما في عيدي الثاني عشر يومها علمت بأنني لا أحتفل بيوم مولدي فقط بل بالذكري التاسعة و الأربعين لأول قصف نووي في تاريخ البشري و منذ ذاك الحين زهدت في عيد مولدي… و لكن اليوم ليس للحديث عن لعنة يوم ميلادي و مهارتي في تفاديها بل للحديث عن المدعو سرجي و إختفاءه

إسمي الرسمي هو سراج الدين لو كان ذلك الإسم شخصا لكان دبلوماسي محايد من سويسرا يجلس علي طاولة مفاوضات عليها أطراف كثيرة أصواتهم عاليه … عاليه جدا و هو جالس بهدوء و يمد يده إلي حقيبته ليخرج غداءه بكل ما في البساطة من وقاحة

عندما أتذكر بعين الخيال كيف سميت، أتخيل والدي أخوالي و أعمامي و جدي و جدتي يجلسون في مضافة جدي، دامت المفاوضات دورتي شاي و جولة حلويات ثم أعلن جدي بحسم : حسنا إذا هو سراج الدين !1

قدر لي في ذلك اليوم أن أحمل إسما ثقيلا مركبا لا يصلح إلا لمن يملكون مدنا و جيوشا ليحطموا مدن أخري و أنا لا أهوى شيئا أكثر من تفرقة قلبي علي ما أمر من المدن، سقط الإسم الثقيل حتي قبل أن أعلم بوجوده ، سقط و ولدت مكانه أسماءا كثيرة، أكثر بكثير مما يجب و مما أتذكر منها : فرج ،سايو، شكارا، سمينا ، سروجا ، سروجي ،سرج ،سراج و سرجي

حتي الأن عندما يناديني أحدهم بسراج الدين أشعر ببعض الإستغراب فهذا الشئ ككلمة ذكر و كلمة ليفربول و  1982/08/06 لا يعيش سوي في الأوراق الرسمية

عندما كنت صغيرا كنت سعيدا بقدرتي علي الحركة بحرية و بخفة بين إسم و أخر سايو لم يكن فرج و فرج لا يأثر فيه ما يحدث لسمينا و شكارا و لم يكن سروجي مشغولا سوي بإستلام الثناء في حين كان يريد سروجا أن يكبر بسرعة و أما سراج فقد كان مشغولا بأسئلة المدرسين و الإذاعة المدرسية و تعليمات فني التصوير لصورة جواز السفر الأولي. الحدود كانت واضحة و التنقل من أحدهم للأخر تكلفته إغماضة العينين

ككل الحضارات و المعتقدات و المدارس الفكرية و شخصيات الكرتون و أنواع الوهم و الخيال الأخري كانت الأسماء تختفي لتظهر أخري علي حسب الحاجة أو على حسب الظروف ، بعضهم كان مرحب بإختفائهم عندما أختفوا كشكارا و سمينا و بعضهم كان إختفائهم دمويا حادا كفرج و بعضهم إختفوا بهدوء الشيخوخة القاتل كسروجا و سروجي … أتمني أن أكتب عنهم كلهم يوما و لكن اليوم الحديث عن إختفاء سرجي الذي ليس هنا ليمانع إن كتبت عن فرج سطرين

فرج كان أول الأسماء ، عندما يتحدثون عن آدم أبتسم فى سرى و أتخيل فرج .جدتي كانت من إخترعت فرج فقد كان سراج الدين خارج عن حدود الزمان و المكان بنسبة لها و يبدو أن أول ما جال بخاطرها هو فرج ، إستقر فرج في ما أتذكره من طفولتي المبكرة ، كان بالنسبة لهم إسمي و كان بالنسبة لي إسم صديق متخيل خفي ظريف كثير الحركة و كثير الإبتسام كنت أمارس معه لعبة بدت لنا شريرة وقتها، عندما ينادون سراج كان يجيب هو و لكنهم لا يسمعونه و عندما ينادونه (فرج) كنت أجيب أنا فبدا لنا في حينها إننا نحن من خدعنا الكبار فأختلط عليهم الأمر و صرت في أعينهم فرج و كان ذلك ظريفا

إختفاء فرج كان مفجعا ، لا أزال أذكر كيف دهسته تلك السيارة السوداء أمام بيتنا ..  كان ذلك في العام 1988 بعد خمسة دقائق من شرح أحد أولاد الجيران الأكبر سنا ما تعنيه كلمة (نيك) 1

حسنا يكفي !!1

فلنتحدث عن سرجي و إختفاءه ، إختفاء سرجي جعلني أفكر فى أن أكتب قصة قصيرة عنوانها “مشهد إنتحار السيد س” كان المفترض أن تكون سريالية و أن ترويها قطة و لم يكتب منها إلا عنوانها ، و أخري عن شخص يبلغ عن جريمة قتل حدثت بدون جثة و لا أداة قتل فلا يتوفر من أركان الجريمة سوي الدافع ، تبدو لي هذه القصص مع الحديث عن سرجي و إختفاءه كثلاثة أعين تصور الشئ ذاته من زوايا مختلفة ، لعلي يوما أكملهم و أنشرهم هنا

إنها الثانية صباحا و سراج لابد له من الذهاب إلى العمل خلال ساعات معدودة ، فلنتحدث عن سرجى فى وقت أخر … و من يدري لعله يعود قبل أن أفعل فلا أضطر للحديث عنه فكما تعلمون لا يحلو الحديث إلا عن من غابوا

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *