القانون 37 سئ السمعة

صدر حديثا القانون رقم 37 المتعلق بتمجيد الطاغية و رموز النظام السابق و ملحقاته . القانون الصادر عن المجلس الإنتقالي لا ينبئ بخير ففيه الحد من حرية التعبير خصوصا المادة المتعلقة بالنيل من هيبة الدولة و مؤسساتها المختلفة. الحقيقة إخفقات القانون 37 أكثر من كونه قانون يحد من الحريات فالنص المطروح فضفاض و قابل للتأويل مما يضعنا جميعا خارج دائرة القانون.

و لابد لنا أن نتسأل لما الأن وضع هكذا قانون مع قرب الإنتخبات التشريعية ؟ فإن كان هناك ما يبررتجريم تمجيد رموز النظام السابق ألم يكن من الأجدى أن يوضع في مرحلة سابقة؟ و لابد لنا أن نفكر أين تقف الدولة و يبدأ الضابط الإجتماعي ؟ هل نحتاج إلى قانون لكل شئ ؟ وكيف نطالب بقيام دولة القانون عندما يكون المشرع الليبي أول من ينتهك حرمة القانون.

القانون 37 يتكون من 4 مواد، المادة الأولى تتعلق بما يسمى تمجيد الطاغية و المادة الثانية تتعلق بمقدسات أخرى فرضها المشرع على المواطن و سنأتي لنقاشها لا حقا، المادتان الثالثة و الرابعة فهما يتعلقان بتفعيل و نشره في الجرائد المحلية.

المادة الأولى :

يعاقب بالسجن كل من أذاع أخبار أو بيانات أو اشاعات كاذبة أو مغرضة في أثناء الحرب أو ما في حكمها أو قام بدعاية مثيرة و كان من شأن ذلك إلحاق ضرر بالاستعدادات الحربية للدفاع عن البلاد أو إلقاء الرعب بين الناس أو لإضعاف الروح المعنوية للمواطنين.

قد يكون للفقرة السابقة ما يبررها و إن كان غير واضح إذا كان ناشر الخبر الكاذب يعتبر جاني إن فعل ذلك دون أن يدري أن الخبر غير صحيح و بالتالي أنا و على الأرجح أنت أيضا عزيزي القارئ  من ضمن من يجرمهم هذا القانون. و لكن هذا لا شئ مقارنة بالفقرة الثانية.

و يعتبر في حكم الحرب الظروف التي تمر بها البلاد

يعطيك الصحة يا سي الحاج ، البلاد في حالة حرب إلى أجل غير مسمى و دون توضيح كيف تنتهي هذه الظروف التي أتحفنا بها المشرع الليبي. بوجد نص فضفاض كهذا من الممكن تفعيل أو تعطيل أي شئ. فرض الأحكام العرفية أو إلغاء حرية التعبير تماما (و إن كان المشرع الليبي إقترب من ذلك في المادة الثانية). اللغة القانونية المستخدمة هنا لابد أن تدرس في الجامعات تحت عنوان “كيف تكتب قانوناً ساذج”.

و يعد من الدعايات المثيرة الثناء على معمر محمد عبد السلام أبو منيار القذافي و نظام حكمه و أفكاره و أولاده و تمجيدهم و إظهارهم بمظهر الصلاح أو البطولة أو الإخلاص للوطن وكذلك قلب الحقائف و تضليل الناس حول تصرفاتهم و ما ارتكبوه في حق البلاد و أهلها أو الدعاية لذلك النظام و أفراده بأي شكل من الأشكل.

نجد في الفقرة السابقة بأن المشرع الليبي كل ما زاد عدد الكلمات التي يستخدمها كل ما زاد تألقا و إدهاشا ! فهو يبدأ بتعريفنا ما هي الدعايات المثيرة لكي نكون على بينه و اللي أوله شرط أخره نور ! لكن بتحكيم المنطق أين الجرم في ما سبق. لقد سقط النظام الذي قهر الناس و ألزمنا الصمت لماذا نتخذ منه مثلا و قدوة. إن رأى أحدهم أن القذافي كان صالحا فهو بحاجة إلى علاج و ليس عقاب.

أعني:  أين الجريمة ؟ لماذا مازلنا نأخذ الرأي إلى القاضي. لاحظ لا جريمة هنا. هو مجرد رأي مهما كان سخيفا أو خارجا على المنطق أو حتى خارجا على منظومتنا الأخلاقية هو أولا و أخير مجرد رأي. المشكلة أن المشرع يرى بأن الدولة لها صفة أبوية تفرض على المواطن ما يجوز أو لا يجوز بقوة القانون منتهكة بذلك حقك كمواطن في إختيار ما يجده صوابا أو حقا

و إذا نتج عن تلك الأخبار أو البيانات أو الإشعاعات أو الدعايات ضرر بالبلاد فتكون العقوبة السجن المؤبد.

للتوضيح الإشعاعات ليست خطأ مني و لكن هكذا وردت في نص القانون  ستجد النص كاملا هنا

و هذه هي الفقرة الأخيرة من المادة الأولى، أخيرأ وصل مشرعنا العظيم إلى جريمة حقيقة قد تبرر كتابة قانون من أجلها. و لكني أتسأل هنا في حال سبب أي فعل الضرر بالبلاد و العباد بأي طريقة كانت ألا توجد قوانين سابقة تتعامل مع مقترفي هذه الأفعال. ألا يوجد عندنا تشريع جنائي لهكذا حالات. لماذا نحول جريمة جنائية إلى جريمة سياسة و جريمة رأى. لقد شخصن المشرع الليبي القانون و جعل منه أداة للنيل من أشخاص أزعجوه على المستوى الشخصي و هو بذلك ليس بأفضل من القذافي بأي شكل من الأشكال.

المادة الثانية :

إذا كان كل ما سبق لم يزعجك عزيزي القارئ فمرحبا بك معنا في المادة الثانية حيث رداءة الصيغة لا يفوقها سوى فساد المقصد.

النص كالتالي :

مع عدم الإخلال بأي عقوبة أشد ينص عليها قانون آخر ، يعاقب بالسجن كل من صدر عنه ما يشكل مساساً بثورة السابع عشر من فبراير.

لازلنا في الفقرة الأولى و القادم أسوء و لكن هذه الفقرة قذافية بإمتياز و دعني أذكرك بأن المادة 13 من الإعلان الدستوري الصادر من مجلس قيادة الثورة و الصادر في 11 ديسمبر عام ١٩٦٩ تنص على ما يلى:

حرية الرأي مكفولة في حدود مصلحة الشعب ومبادئ الثورة

بمواد و تشريعات كهذه قتل القذافي حق الناس في التعبير عن أي شئ فأي شئ قد يكوk ضد مبادئ الثورة و من أعلم بمبادئ الثورة أكثر من مجلس قيادة الثورة. و اليوم نجد أن المجلس الإنتقالي يصدر قانون يجرم كل من صدر عنه ما يشكل مساساً بثورة السابع عشر من فبراير.

من أين يأتون بكل هذه الوقاحة، في المادة الأولى يقول المشرع بأن البلاد لازالت تمر بظروف و في المادة الثانية يجرمون كل من قال كلمة ضد ثورة 17 فبراير. ألا يعلمون بالمهجرين داخل و طنهم و من هدمت بيوتهم و شردوا بلا ذنب سوى أنهم كانوا في المكان الخطأ في الوقت الخطأ. لماذا لازلنا نجرم الرأي !؟ إن كانت دولتنا العتيدة تتوقع من هؤلاء الثناء فنحن في ورطة أكبر مما كنت أتخيل.

و كيف لنا أن نصحح مسارنا إن لم نمتلك حتى الحق في طرح أسئلة عن الثورة؟ بل وتوجيه الإتهام لها و محاسبتها. لا يوجد فعل بشري يستحق القدسية و الثورة من أفعال البشر. هذه القدسية  التي تصبغها على 17 ما هي إلا إحدى تجليات الفاشية الثورية و القادم أسوء.

لا حظ عزيزي القارئ بأنه لم يرد أي عقوبة سوى عقوبة السجن المؤبد في المادة الأولى، فمشرعنا العزيز يهدد كل من ينتقد الثورة بالمؤبد إن لم يكن هناك عقوبة أشد !

و يعاقب بنفس العقوبة كل من أهان الدين الإسلامي أو هيبة الدولة و مؤسساتها النظامية و القضائية أو أهان علانية الشعب الليبي أو شعار الدولة أو علمها.

لنناقش هذه الفقرة الجهنمية قطعة قطعة:

إهانة الدين الإسلامي: أن تضع إهانة الإسلام في قانون يجرم تمجيد الطاغية هو أمر مدهش فلا يجتمع الأمران إلا عند مختل. ما علاقة هذا بذاك، و لكن الذوق ليس من شيم مشرعنا الليبي العظيم في الحقيقة أنا كنت أتوقع أن يناقش حق المرأة في الإجهاض أيضا و لكن يبدو بأن هذا قد فاته !

إهانة هيبة الدولة و مؤسساتها المختلفة: ما هي هيبة الدولة؟ هذا المصطلح الغير مفهوم لا يرد ذكره إلا في الأنظمة الشمولية، و كيف لك أن تتدعي بأن للدولة أي هيبة عندما لا تعطي المواطن حقوقه كاملة، إلى اليوم تفشل الدولة و مؤسساتها في القيام بأدنى واجباتها و في الوقت ذاته تمنع المواطن من نقدها. حتى الإعلان الدستوري الذي كتب في بداية عهد القذافي لم تصل به الواقحة إلى هذا المستوى.

كيف لك أن تطلب من المواطن أن لا يهين هيبة الدولة و مؤسساتها ؟

عندما يشرد الجرحى في دول العالم دون رعاية لائقة وعندما تفشل في جمع السلاح من الشارع و عندما ترى جبريل و الكيب يتناقران على شاشات التلفاز كالأطفال وعندما لا تستطيع حماية الحدود ولا وقف التهريب و لا توفير العلاج و عندما تتحول أصغر مشكلة قبلية إلى أمر جلل و السيطرة الحكومية على مطار طرابلس إنجازفعن أي هيبة تتحدث يا معتوه !

وقاحة ! كل ما يملكه المشرع الليبي هو الوقاحة ! وهواية صنع الأصنام. هيبة الدولة هي عطية يعطيها المواطن إن شاء و إن لم يشاء فمن أنت يا موظف لتفرض إحترام و هيبة لا تستحقها لا أنت و المؤسسات التي تمثلها !؟

خاتمة:

بهذا ينتهي القانون 37 سئ السمعة و أود أن أضيف بأن إحترام القانون يبدأ بالمشرع، فإن كان القانون أحمقاً و المشرع ساذجاً فواجبنا كمواطنين هو كسر القانون.  فإن إقتنعت بما أسلفت أدعوك إلى أن تقرأ بصوتٍ عالٍ

هيبة الدولة قطوسة جرباء و المؤسسات تبيلها ديل حمار !

مرحبا بك أنت الأن خارج على القانون

——————————————————

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *