في شوارعنا…

فاضت الذاكرة على مدينتنا و صار لها  حراس. أطفالا يحرسون ذكرى أطفال أخرين و يتمتم أطفال كبارلا يبكون بأن المجد للشهداء.

الأسطورة تبدأ في شوارعنا عندما إخترنا ألا نصدق بأن من ماتوا كانوا يوما منا، بشر مثلنا.

وضعناهم في صندوق و قلنا شهداء ! هكذا الألم يصبح أهون، هكذا الذنب ذنب النجاة يصبح أهون ! و الأسئلة أخف !

عليك أن تنسى التفاصيل !

عليك أن تنسى أنهم كانوا معنا هنا،

كانوا مثلنا

أوغاد مثلنا و طيبون مثلنا !

و عليك بالوقاحة ! فمن حقك أن تزغرط أمهاتهم و من حقك أن تطالبهن بالوقار. فذلك أقل ترويعا و أكثر رونقا و أنسب كفنا للشهداء!

ألا ترى ؟ لا أحلى من زغاريط أم شهيد ما ! فلا تفسد نبل الموقف بالسؤال عن إسمه فبعد ألف شهيد كل إسم لا يضيف جديد!

و إن قال أحمق “قتلناهم مرتين، مرة بالرصاص و مرة بتشويه الذاكرة” فتجاهله فليس من المنطق مجادلة مفجوع. لما تعتصر الخسارة وتأكل قلبك. أليس من الأسهل أن  ندعي بأنهم ليسم منا أليس من أسهل أن نقول ليس للملائكة مكان بيننا.  كذبة أجمل من ألا تصدق.

كل الأطفال الكبار لا يبكون في شوارعنا، هم فقط يكذبون بصدق فيستخدمون كلمات كبيرة و غريبة  لتكون فاجعتهم أقل حقيقية  و لهذا لن ينطقوا بأسماء الشهداء أبدا، لكي لا تهشم الأسطورة التي تقول بأنهم شهداء و لا تقول بأن فلان مات و فقد إلى الأبد !

الأطفال الكباريستخدمون لغة المسلسلات المدبلجة والرسوم المتحركة فهناك لا موت حقيقي و لا الأشخاص حقيقيون!

و لكن ما العمل مع حراس الذاكرة، الذين ما أن تنام البلدية يخربشون على الطلاء الرطب “شارع الشهيد حسن” شارع الشهيد محمد” “شارع الشهيد فرج” فتتأمر أعيننا مع الخط الطفولي  و تقرأ “هنا كان حسونة يلعب بطش” و “هنا حمادي عاكس بنت الجيران” و”حسين أحسن واحد يلعب هجوم” و “يا فروجا الخمسة جنية مسامحك فيهم غير رد”


و لوهلة تتحطم الأسطورة المريحة الهشة و نراهم، ننسى الأقنعة و ننسى بأننا سميناهم شهداء و ندرك فداحة الخسارة، لوهلة تراهم على حافة الموت و تود أن تصرخ أن أرجعوا ! يكفي ألعابا خطرة ! يكفي قرابين لهذا اليوم ! لوهلة تنسى كم هم عظماء و تتسا٫ل في وجل كأم  فقدت صوابها  هل خافوا ؟ أكان موتهم سهلا أم بغيضا ؟ تترنح تحت ثقل الأسئلة و تلعن الذاكرة


منذ عام  و نيف و نحن شهود على جدال لا ينتهي بين أسطورة هشة و ذاكرة عنيدة

منذ عام  و نيف للزغاريط صدى العويل.

2 thoughts on “في شوارعنا…”

  1. منذ عام ونيف، بدأنا نسارع نحو بناء الأسطورة، وبدأنا في صنع تاريخ، قد لا يكون حقيقة.. نص متوتر، قلق، على هامشه يتصاعد البخار.

  2. ومن المدهش أن الأسطورة لا تتطلب أن يكون السياق خارج عن الواقع. الأحداث حدثت ولكن الأسطورة تتشكل من تشويه مدلولات الأحداث

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *